ابن تيمية
136
مجموعة الفتاوى
بِأَفْعَالِ تَقُومُ بِنَفْسِهِ وَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ . وَالْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ قَالُوا : هَذَا الَّذِي قُلْتُمُوهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ بِالضَّرُورَةِ وَتَجْوِيزُ هَذَا يَقْتَضِي حُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ وَالتَّرْجِيحُ بِلَا مُرَجِّحٍ وَذَلِكَ يَسُدُّ بَابَ إثْبَاتِ الصَّانِعِ . ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الْحُجَّةِ عَلَى نفاة الْقَدَرِ وَقَالُوا : حُدُوثُ فِعْلِ الْعَبْدِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ مُرَجِّحٍ تَامٍّ غَيْرِ الْعَبْدِ فَإِنَّ مَا كَانَ مِن العَبْدِ فَهُوَ مُحْدَثٌ أَيْضاً وَعِنْدَ وُجُودِ ذَلِكَ الْمُحْدَثِ الْمُرَجِّحِ التَّامِّ يَجِبُ وُجُودُ فِعْلِ الْعَبْدِ وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ حَقٌّ وَهُوَ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ ؛ لَكِنَّهُمْ نَقَضُوهُ وَتَنَاقَضُوا فِيهِ فِي فِعْلِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَادَّعَوْا هُنَاكَ أَنَّ الْبَدِيهَةَ فَرَّقَتْ بَيْنَ فِعْلِ الْقَادِرِ وَبَيْنَ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ فَإِنْ كَانَ هَذَا الْفَرْقُ صَحِيحاً بَطَلَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَلَمْ يَبْطُلْ قَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ وَإِنْ كَانَ بَاطِلاً بَطَلَ قَوْلُهُمْ فِي إحْدَاثِ اللَّهِ وَفِعْلِهِ لِلْعَالَمِ وَهَذَا هُوَ الْبَاطِلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْمُمْكِنَ لَا يَتَرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ إلَّا بِمُرَجِّحِ تَامٍّ أَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْفِطْرَةِ الضَّرُورِيَّةِ لَا يُمْكِنُ الْقَدْحُ فِيهِ وَهُوَ عَامٌّ لَا تَخْصِيصَ فِيهِ فَالْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بَاطِلٌ وَذَلِكَ يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ خَلْقَ الْعَالَمِ هُوَ الْعَالِمُ وَأَنَّهُ حَدَثَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ بِغَيْرِ سَبَبٍ حَادِثٍ . وَمَنْ قَالَ إنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ وَغَيْرَهَا مِن الأَسْبَابِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَتْ أَسْبَاباً أَوْ أَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا مُجَرَّدُ اقْتِرَانٍ